للفنان الفلسطيني إسماعيل شموط (1930 – 2006)

في أحد أكثر أعماله اختزالًا للهوية والذاكرة، يرسم إسماعيل شموط لوحة “اللاجئة في المدينة” كقصيدة عَظيمة، مكتوبة بريشة لا مَحصورة في أبيات.
امرأة وحيدة تقطع شارعًا في مدينة صاخبة مجهولة. تقف بهدوء مهيب، لا ترتبك من غربتها، بل تبدو وكأنها تحمل ثبات قرية كاملة في جسدها.
ترتدي ثوبًا فلسطينيًا تقليديًا، مطرّزًا بعناية لا تتزعزع، وتحمل في يدها بعضًا من برتقال يافا، طازجًا كما لو اقتُطف للتو، رغم كل هذا الفقد.
المدينة من حولها رمادية، متمدنة، باردة. لا تحمل ملامحها، ولا تمتّ لها بصلة. حتى الألوان تبدو منفصلة عنها، كأنها جاءت من لوحة أخرى، من زمن آخر
هذه اللوحة لا توثّق حدثًا، بل تطرح سؤالًا وجوديًا يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة:
ما الذي يبقى من الإنسان حين يُنتزع من مكانه؟
حين تُقتلع الجذور، هل تنهار الشجرة، أم تعيد ابتكار جذورها في الفراغ؟
في فلسفة الوجود، يُعرف الاغتراب بأنه انقسام الإنسان عن ذاته، انفصاله عن المعنى، عن ما كان يمنحه الشعور بالأمان والاكتمال.
لكن في هذه اللوحة، لا نرى اغترابًا خفيًا داخليًا، بل نشهد اغترابًا قسريًا ماديًا… جسد يُوضع في سياق لا ينتمي إليه، في مدينة لا تعرف اسمه، في حضارة لا تعترف بوجوده، ومع ذلك، يرفض أن يتحوّل إلى ظل.
المرأة لا تتوسل اندماجها في المدينة، بل تحمل نفسها كما هي، بكل ما تُمثله من ذاكرة جمعية، من موروث بصري وهوياتي. هي ليست فردًا؛ بل صوت جمعي متجسّد في شخص واحد.
وجهها، صمتها، وقفتها، كلّها تقول إن الهوية ليست ما تمنحك إياه المدن، بل ما ترفض المدن انتزاعه منك.
نحن أمام تمثيل بصري لما يسميه هايدغر بـ”البيت الوجودي”—ذلك الفضاء الداخلي الذي يسكنه الإنسان حين يفقد البيت المادي.
لقد فقدت هذه اللاجئة بيتها، أرضها، قريتها، لكنّها لم تفقد مكانها في الوجود، لأنها تحمل بيتها معها: في ثوبها المطرّز، في البرتقال الذي لم يتعفّن رغم الرحيل، في وضعية جسدها التي لا تُشبه المهزومين.
هذا الصمت الذي تغلفه اللوحة ليس خضوعًا، بل صرخة داخلية ضد ثقافة الاستيعاب القسري. إنها تقف كجدار رافض للاختزال، كأنها تقول:
“أنا لاجئة، نعم، لكنني لست غريبة عن ذاتي. أنتم الغرباء هنا.”
وهنا ننتقل إلى سؤال:
هل الغربة هي الانتقال من أرض إلى أخرى، أم العيش في مكان يُنكر حقيقتك؟
الغربة، في هذا السياق، لا تُقاس بالمسافة، بل بالاعتراف.
في المدينة الحديثة، التي تمثّل في اللوحة “الآخر”، نرى رمزية الحداثة الجافة، التي تشطب الفردانية، وتحاول صهر الكل في قالب إنتاجي استهلاكي.
لكن هذه المرأة ترفض التحوّل إلى “تابعة”، تقف كما يقف الحجر وسط شارع لا يفهم وجوده، لكنها تقف عن وعي.
حتى حين نُجبر على التشرد، يمكننا أن نختار كيف نحمل هذا التشرد.
واللاجئة هنا اختارت أن تحمله كهوية، لا كعار.
البرتقال، في هذا السياق، ليس رمزًا للحياة الريفية فقط، بل فعل تحدٍّ:
أن تحمل ثمار الوطن في يدك، في قلب مدينة تنكر جذورها، هو فعل مقاومة ضد النسيان.
في عالم يُشجّع الإنسان على البدء من الصفر، تُعلن هذه المرأة أن البداية الحقيقية لا تكون بالإنكار، بل بالاحتفاظ.
وهكذا، فإن هذه اللوحة لا تكتفي بتصوير اللجوء، بل تعيد تعريف معنى البقاء.
إنها ترينا أن الإنسان لا يُقاس بموقعه الجغرافي، بل بقدرته على تذكّر من يكون، مهما تغيّر المشهد من حوله.
هذه المرأة، بثوبها التقليدي، الذي يشبه قصيدة مُطرّزة من قرى الجليل، وببرتقالها النديّ، تُمارس فعلًا صامتًا:
تحويل المنفى إلى مرآة للذات، والهوية إلى نهرٍ لا يجفّ، حتى لو طال جريانه في أرض لا تعرف اسمه.
كلما نظرتُ إلى يدَيها، تلك اليدين الكبيرتين، الثابتتين، الحانيتين، شعرتُ أن هذه ليست امرأة عابرة، بل فلسطين نفسها.
لا ترفع صوتًا، لكنّها تحمل برتقالها كما لو كان قلبها، وتُخفي في كفّيها كل من بقي، وكل من مضى، وكل من سيعود
ليست لاجئة، بل أمّ المنفى. ليست صامتة، بل تتكلّم بلغة الأشياء التي لا تموت.
هذه ليست لوحة عن امرأة، بل عن ذاكرة أمّة.
عن الأرض حين تتجسّد امرأة، تحفظ الحكاية، وتُطعمها لولدها، حتى لو أُجبرَت على الرحيل.
كَانت شايلة وَطن مو برتقال


"كانَت شايلَة وطَن مو برتقَال"
كَم هذِه الجُملة كَانَت جمِيلة .. حقًا مِن أفضَل ما قرأت اليَوم كَانت هذِه المقَالة