إنها ليست حرفةً تُمارس كما يُمارَس العمل اليومي، وليست ترفًا يُسليه الفراغ، بل هي أشبه بانبثاقٍ كونيّ، برقٌ داخلي يفتك بوعي الإنسان ثم يتركه مُبللًا، عارياً أمام ذاته.
المطر لا ينزل حين نطلبه، ولا حين يكون الحقل عطشانًا، بل حين يتهيأ له الهواء. كذلك الكتابة؛ إنها لا تطيع رغبتنا ولا تخضع لإرادتنا، بل تنهمر فجأة، كأنها قرارٌ صادر عن بُعدٍ لا نملك مفاتيحه، هي لحظةٌ نادرة تُخلّ بتوازن العالم الداخلي كما يُخلّ المطر بسكون السماء. نحن لا نكتب لأننا نريد، بل لأن هناك ما يفيضُ فوق قدرتنا على الاحتمال، فالمطر ليس اختيارًا للغيمة، بل قدرُها، وكذلك الكتابة: ليست حرية الكاتب، بل عبودية لشيءٍ أكبر، قوةً لا يُعرف مصدرها، تدفع الكلمات للخروج كما يندفع السيل من شقّ الجبل.
لكن، ماذا لو تأملنا في هذه الحالة المطرية؟ المطر، في جوهره، ليس إلا تراكمًا لصراعٍ خفيّ بين حرارة الشمس وبرودة الغيوم، بين التبخّر والانكماش، والكتابة بدورها ليست إلا تراكمًا لصراع داخلي، صراع بين صمتٍ طويل يضغط على صدر الكاتب، وبين ثِقَل لا يُحتمل من الأفكار والمشاعر. حين يصل الضغط إلى ذروته، لا يعود الصمت ممكنًا! هناك، تُمطر اللغة؛ لذلك، ليست كل كتابة “مطرًا”.
كثيرٌ مما يُسمى كتابة ليس إلا غبارًا مُثارًا من شوارع مُزدحمة، ضجيج كلمات مُكررة، استعراضات لغوية باهتة. المطر الحقيقي نادر، كما الوميض النادر في العاصفة، فالنصوص العظيمة تولد من لحظاتٍ نادرة، عصيّة على التكرار. هناك شيء فوق-إنساني في تلك الانبثاقات، شيء يجعل الكاتب نفسه يشعر أنه وسيط، لا مؤلف.
وهنا تبرز المفارقة، نحن نعيش في زمنٍ يُطالب فيه الإنسان أن يكون منتجًا باستمرار، كآلة، فتُقاس قيمتك بما تنجزه يوميًا، بما تضعه على الطاولة كل صباح. لكن الكتابة الحقيقية تسخر من هذا المنطق، لأنها ابنة الفوضى، وليست ابنة النظام. هي نقيض “الجدولة”، عصيانٌ على اقتصاد الوقت. هل يمكننا إذن أن نُجبر المطر أن ينزل بقرار من الدولة؟ أو أن نصدر أمرًا للسماء؟ الكتابة من هذا الصنف، عصية على التدجين.
لكن! إذا كانت الكتابة مطرًا لا يحدث كل يوم، فماذا نفعل في الأيام الجافة؟ ماذا يفعل الكاتب حين يجد نفسه صحراء ممتدة، بلا غيمة ولا برق؟ هنا يتكشّف العذاب فالجفافُ لا يعني فقط الصمت، بل يعني مواجهة الذات العارية، مواجهة خواءٍ رهيب. الكاتب الذي جفّ قلمه يكتشف أن وجوده نفسه قائم على تلك اللحظة المطرية. من دونها، يبدو العالم بلا معنى، و ان الذات مجرد هيكلٍ ينتظر قطرة المطر لا يَعِد بالاستمرار، والكتابة كذلك. حين تجف السماء، لا نملك إلا الانتظار. لكن الانتظار هنا أشدّ قسوة، لأن الكاتب في لحظات الجفاف يشعر أنه لا شيء. كل وجوده مُعلّق بعودة تلك الحالة المطرية. وحين لا تأتي، ينكشف الفراغ: ليس فراغ الأوراق، بل فراغ الذات ذاتها. الكتابة ليست نشاطًا نمارسه، بل شرطًا لوجودنا. ومن يفقد شرط وجوده، يقترب من الجنون.
الفكرة إذن ليست أن نكتب، بل أن نحتمل الفترات التي لا نكتب فيها دون أن نفقد عقولنا. لأن من لم يُصاب بالجنون في مواجهة الصمت، لم يعرف معنى أن تكون الكتابة ماءً للحياة.
وربما… وربما تكون الكتابة في حقيقتها ليست سوى وَهْم مطري. المطر ينزل في الطبيعة من سُحبٍ حقيقية، أما الكتابة فتنزل من أوهامنا نحن. هي ليست انعكاسًا للحقيقة بقدر ما هي تعويض عن غيابها. نحن لا نكتب لأننا نمتلك شيئًا، بل لأننا نفتقد كل شيء. الكلمة ليست ثمرة الامتلاء، بل صرخة الفراغ. وهذا هو السرّ الذي يجعل القراءة تتطلب أكثر من مرة: لأنك حين تقرأ نصًا عظيمًا، فأنت لا تتلقى جوابًا، بل تُلقى في سؤالٍ جديد. النص العظيم ليس ما يروي عطشك، بل ما يُحوّلك أنت إلى عطشان أبدي.
الكتابة إذن ليست مطرًا يُنقذ الأرض، بل مطرًا يكشف أن الأرض عطشى إلى الأبد. هي ليست وعدًا بالامتلاء، بل شهادة على استحالة الامتلاء. وربما هنا يكمن سرها؛ أنها وهمٌ ضروري، كالمطر في الصحراء، لحظة عابرة تجعلنا نحتمل قسوة الفراغ الكوني، ولو قليلًا.


هنا خلط فظيع بين الإبداع كضرورة نفسية، والكتابة كممارسة إنسانية خاضعة للوعي والقرار، ويقدّس العجز كأنه شرط للعمق.
هذا الانبهار الرومانسي بالمطر، بالغموض، وبـ”لحظة الكتابة المقدّسة”، يُنتج كتابة تُغري المشاعر، لكنها تفقر العقل.
الكاتب الحقيقي لا ينتظر مطر الإلهام، بل يحفر بئره. أما من ينتظر السماء، فسيكتب عمره وهمًا عن وهم.
هذه ليست كتابة عن “المطر”، بل عن الخوف من جفاف الذات، عن الهروب من المسؤولية تحت عباءة القداسة.
أسامة.
ما أعمق هذا الربط! إذا كانت الكتابة مطرًا، فهي ليست مطرًا يوميًا يُجبر على النزول على الطاولة. بل هو مطر ضروري، كالمطر في الصحراء، يأتي ليجعلنا نحتمل قسوة الفراغ الكوني. هذا هو المعنى الحقيقي لكون الكتابة شرطًا لوجودنا، لا مجرد نشاط نمارسه. كلام ينقذ الكاتب من روتينه...